ابن الجوزي

136

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

ديوان المقاتلة ، فاستعرض العسكر ولم ير كسرى فيهم . فقال : انصرفوا ، فاستعرضهم في اليوم التالي فلم ير كسرى فيهم ، فقال : انصرفوا ، وأمر مناديهم ، فنادوا في اليوم الثالث : لا يتخلفن أحد ، ولا [ 1 ] من أكرم بتاج وسرير . فبلغ ذلك كسرى ، فوضع تاجه ، وتسلَّح بسلاح المقاتلة ، ثم أتى بابك ليعرض عليه ، وكان الفارس يؤخذ بالسلاح التام ، فجاء كسرى بسلاح يعوزه شيء يسير ، فقال : أيّها الملك ، إنك واقف مقام المعدلة [ 2 ] التي لا محاباة فيها ، فهلمّ كلما يلزمك من الأسلحة . ففعل ، فلما قام بابك إلى كسرى قال : إن غلظتي في الأمر الَّذي أغلظت فيه اليوم عليك ، إنما كان لينفذ أمري الَّذي وضعتني له . فقال كسرى : ما غلظ علينا [ 3 ] أمر أريد به تدبر صلاح [ 4 ] رعيتنا . قالوا : ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فتساقط إليها من بلاد الترك في زمان كسرى ، فشقّ على كسرى ، وسأل موبدان عن ذلك ، فقال : متى تغير عدل بجور تساقط إلى أرباب ذلك ما يكرهون . فأمر كسرى عماله أن لا يتعدوا العدل [ 5 ] . ومن الحوادث [ 6 ] في زمن كسرى [ أنوشروان ] [ 7 ] : أنه غضب على وزيره بزرجمهر فقبض عليه وقال : الحمد للَّه الَّذي أظفرني بك . فقال له : فكافئه بما يحب كما أعطاك ما تحب . قال : بما ذا ؟ قال : بالعفو فحبسه في بيت كالقبر ، وصفده / بالحديد ، وألبسه الخشن من الصوف ، وأمر أن لا يزاد في كل يوم على قرصين من الخبز ، وكف ملح جريش ، ودورق ماء ، وأن تنقل ألفاظه إليه ، فأقام شهورا لا يسمع له لفظة ، فقال أنوشروان : أدخلوا عليه أصحابه ، ومروهم أن يسألوه ويفاتحوه الكلام وعرفونيه . فدخل عليه جماعة من المختصين به ، فقالوا له : أيها الحكيم ، نراك في هذا

--> [ 1 ] في الأصل : « إلا من أكرم » والتصحيح من الطبري 2 / 152 . [ 2 ] في الأصل : « الحبرلة » والتصحيح من ت . والطبري . [ 3 ] في ت ، الأصل : « عليك » . [ 4 ] في الأصل : « أن يريد صلاح » . وفي ت : « أراد أن يدبر صلاح » . [ 5 ] تاريخ الطبري 2 / 152 - 154 . باختصار . [ 6 ] بياض في ت مكان : « ومن الحوادث » . [ 7 ] في ت : « في زمن أنوشروان » . وفي الأصل : « في زمن كسرى » .